حسن الأمين
286
مستدركات أعيان الشيعة
واستلم مشيخة البلد ، ومع ذلك فقد شعر أن مركزه في الشياخة لا يزال مهددا ووجد أن يعتمد على الإدارة الطيبة الهادئة لضمان الاستقرار في منصبه ، على أن أعداءه سرعان ما انتهزوا فرصة وفاة الصدر الأعظم في الآستانة في تلك الآونة وكان من أكبر مؤيدي علي بك وأصدقائه ، فانقلبوا على شيخ البلد ، وأرغموه في عام 1765 على الفرار إلى بلاد العرب ، فقضى علي بك هناك زمنا يستطلع أحوال البلاد والمدن الساحلية على البحر الأحمر ، ثم لم يلبث أن ذهب إلى فلسطين في ضيافة صديقه الشيخ ظاهر ، ولبث هناك حتى جاءته الدعوة للمرة الثانية من مصر للعودة إليها فرجع إلى القاهرة ( 1766 ) ، ولم يستقر له المقام بها نهائيا إلا في العام التالي . وفي مدة السنوات الست التالية استتب الحكم لشيخ البلد ، فانزل العقاب ببدو البحيرة الذين كانوا قد لجئوا إلى الثورة بمجرد عودته إلى القاهرة فنهبوا وعاثوا فسادا في الوجه البحري ، وعهد علي بك بعقابهم إلى أحد مماليكه ( أحمد ) فقتل من البدو الكثيرين حتى لقب من ذلك الحين ( بالجزار ) ، وهو أحمد باشا الجزار الذي دانت له فيما بعد باشاوية عكا . ثم طفق علي بك يحكم البلاد حكم المستبد المستنير ، فهو كما يقول الجبرتي ( 1 ) : « قد تتبع المفسدين والذين يتداخلون في القضايا والدعاوي ويتحيلون على إبطال الحقوق بأخذ الرشوات والجعالات وعاقبهم بالضرب الشديد والإهانة والقتل والنفي إلى البلاد البعيدة ، ولم يراع في ذلك أحدا سواء كان متعمما أو فقيها أو قاضيا أو كاتبا أو غير ذلك بمصر أو غيرها من البنادر والقرى ، وكذلك المفسدون وقطاع الطريق من العرب وأهل الخوف ، وألزم أرباب الإدراك والمقادم بحفظ نواحيهم وما في حوزتهم وحدودهم وعاقب الكبار بجناية الصغار ، فأمنت السبل وانكفت أولاد الحرام وانكمشوا عن قبائحهم وإيذائهم بحيث أن الشخص كان يسافر بمفرده ليلا راكبا أو ماشيا ومعه حمل الدراهم والدنانير إلى أية جهة ويبيت في الغيط أو البرية آمنا مطمئنا لا يرى مكروها أبدا . » . وحتى يقوى مركزه أكثر علي بك من جمع الأعوان حوله فرفع في أثناء هذه السنوات الست إلى رتبة البيكوية ستة عشر من مماليكه كما رفع أحدهم إلى مركز آغا الانكشارية ، وكان من هؤلاء محمد بك أبو الذهب وإسماعيل بك وطنطاوي بك وغيرهم ، كما زاد عدد مماليكه إلى الستة آلاف ، وضم إليهم عشرة آلاف مغربي ، وقد درب علي بك هذه القوة الكبيرة من الجند على النظام الصارم ، كما عنى بتعليم وتدريب مماليك بيته ، وأغدق النعم على الماهرين منهم والمخلصين له ، حتى اشتد بأس جماعته وكذلك لم يغفل علي بك « صالح الشعب » - كما يقول ( سافاري ) - فاخضع العربان المنتشرين في الصحراء وعلى الحدود ، واهتم بانعاش الزراعة ، واستقر الأمن في القرى ، واطمان الناس لعدالته الصارمة . وعند ما حاول أعداؤه الوقيعة به ( 1768 ) كشف مكيدتهم أبو الذهب . استقلال علي بك : على أنه سرعان ما حدث من الحوادث ما عكر صفو هذا الهدوء النسبي في مصر ، وأدى بدوره أيضا إلى امتداد نفوذ البك الكبير إلى ما وراء الديار المصرية ، فقد حدث في عام 1768 ان قامت الحرب بين روسيا وتركيا ودخلت الأساطيل الروسية في البحر الأبيض ، واستعد ( شيخ البلد ) في مصر - كما جرت العادة - لاعداد قوة من المقاتلة لمعاونة الباب العالي في هذا النضال ، وبالفعل جهز علي بك حوالي الاثني عشر ألف مقاتل ، ولكن أعداءه انتهزوا هذه الفرصة فأوقعوا بينه وبين الباب العالي عندما أرسلوا بأخبار هذه الاستعدادات إلى الآستانة وذكروا أن غرض علي بك منها إنما هو إرسال الامدادات للقتال في صفوف الروس الذين عقد معهم شيخ البلد - على حد قولهم - معاهدة تحالف ضد الدولة العثمانية . وصدق الباب العالي هذا القول فأرسل إلى مصر رسولا لقتل علي بك ، ولكن أصدقاء شيخ البلد في الآستانة أسرعوا باخباره ، فكمن رجاله لهذا الرسول في الطريق وقتلوه قبل بلوغه القاهرة ، واستولوا على أوراقه . وعندئذ جمع علي بك مماليكه وأعوانه وأطلعهم على كافة ما جرى ، كما أراهم الفرمان الذي كان يحمل قتله ، ثم أظهر لهم غدر الباب العالي وسوء نيته نحو كافة من تسلموا الشياخة من البكوات المماليك ، وحضهم على الالتفاف حوله ، وضم قواتهم إلى روسيا ، وتخليص الديار المصرية من ربقة الظلم العثماني بزعامته نهائيا ، وهكذا نبتت الفكرة الاستقلالية لدى علي بك ، ولو أن الرأي يتفق على أن شيخ البلد كان دائما صاحب أطماع واسعة منذ أن تسلم الشياخة ، فقد كتب الرحالة الفرنسي ( فولني ) ( 2 ) الذي زار مصر بعد أن انقضى عهد علي بك بسنوات قليلة : « أنه بمجرد أن اجتمعت أسباب السلطة بأكملها في أيدي علي بك عزم على استخدامها لزيادة نفوذه وسلطانه ، فان أطماعه ما كانت تقنع بلقب الحاكم أو القائممقام ، لأن سيادة الآستانة كانت تجرح كبرياءه ، فهو لا يريد أقل من لقب سلطان مصر لنفسه . وعلى ذلك فقد اتجهت كافة أعماله نحو تحقيق هذا الهدف » . وبالفعل طرد علي بك الباشا العثماني ، وامتنع عن دفع الجزية للباب العالي ، ثم صك النقود باسمه ( 1768 ) ، وأسرع بأخبار الشيخ ظاهر بما فعل ووعده بإرسال الجند له من مصر للاشتراك مع جند ظاهر في فتح سوريا . ولم يلق علي بك في كل ما فعل أية مقاومة من جانب الدولة العثمانية ، فسمع أن الباب العالي كان ينقم ولا شك على ضياع البقية الباقية من مظاهر سلطانه في مصر ، فان مجرد الغضب كان لا يكفي لإرجاع مصر إلى حظيرة الدولة ، وكان يتحتم عليه خوض غمار الحرب ضد شيخ البلد ، الأمر الذي ما كان يستطيعه بسبب ثورة الشيخ ظاهر في عكا والشام ومشاغل تركيا بمسالة بولندة ، وأخيرا بالحرب مع روسيا . فانتهز علي بك هذه الظروف المؤاتية وشرع يوطد نفوذه في الصعيد حتى استتب سلطانه نهائيا في الوجه القبلي ( 1769 ) ، وصار يستعد لارسال الامدادات لحليفه الشيخ ظاهر في الأراضي الشامية . الشيخ ظاهر ( 3 ) وكان حدوث ثورة الشيخ ظاهر الذي استأثر بالحكم في عكا بين عامي 1750 ، 1776 مثالا آخر من أمثلة ضعف الدولة العثمانية وعجزها ، فكما أنها لم تجرؤ على مناصبة شيخ البلد في مصر العداء ، فهي قد اضطرت أيضا إلى التسامح مع ظاهر العمر الزيداني ( أو الظاهر عمر ) ( 4 ) من مدة طويلة ، فتركه يقوي موقع عكا ويبني حولها القلاع ، ويتخذ الوسائل التي تكفل له تدعيم نفوذه من غير ممانعة . وكان الباب العالي يعتمد على باشا الشام عثمان ( ابن العظم ) ، في كسر شوكة ظاهر ، ولكن الأخير لم يلبث ان اشتبك مع والي دمشق في حروب انتصر عليه فيها . وكان من جراء ما تكلفته هذه الحروب من مال ورجال أن ثارت الرملة ثم غزة لم يافا ضد الباشا ، وحوالي عام 1768 طلب الشيخ ظاهر من الباب
--> ( 1 ) الجبرتي ج 1 صفحات 384 - 385 . ( 2 ) . 347 also Delaporte - P : 97 Volney t . I . p ( 3 ) Lammens . La Syrie . t . II . Chap . XV ; 15 - 1 Volney t . I . I . PP . 71 - 33 . Lock - roy . pp ( 4 ) كما سماه الجبرتي . جزء أول . راجع أيضا كتاب خطط الشام لمحمد كرد علي ج 2 : ص 300 وما بعدها .